‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة مترجمة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة مترجمة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 27 ديسمبر 2013

قصة طريقين، باولو كويليو، قصة




قصة طريقين

                                                " قصة عن الشقاق والوفاق" 

                                                                                             باولو كويليو

                                                                                        ترجمة: ياسر شعبان


قبل قرون من امتلاء وسائل الإعلام بأخبار عما يسمى" تأثيرات العولمة"، حكى الشيخ" قالندار شاه" القصة التالية في كتابه" أسرار الوحدة".
في شرق" أرمينيا" كانت هناك قرية صغيرة تقع بين طريقين متوازيتين، تُعرفان بالطريق الجنوبية والطريق الشمالية.
وذات يوم وفد إلى القرية مسافر قادم من مكان بعيد، جاء سائراً عبر الطريق الجنوبية، وقرر زيارة الطريق الثانية أيضاً. ولاحظ التــجار المحليين امتلاء عينيه بالدموع.
وقال الجزار لتاجر الملابس" لابد أن شخصاً ما قد لقى حتفه على الطريق الجنوبية. انظر كيف يبكي هذا المسافر المسكين بعد أن مر بها".
والتقطت أذنا أحد الأطفال تلك الملحوظة، ولأنه يعرف أن الموت شيء سيء للغاية، بدأ البكاء الهستيري. وفي الحال بكى جميع الأطفال بالشارع.
وانزعج المسافر، وقرر الرحيل على الفور. وألقى من يديه ثمار البصل التي كان يقشرها ليأكلها وهي سبب امتلاء عينيه بالدموع، ثم اختفى.
وبعد برهة، شعرت الأمهات بالقلق لبكاء أطفالهن، فأسرعن لمعرفة ما يحدث، وسرعان ما اكتشفن أن الجزار وتاجر الملابس ثم غيرهما من التجار قد انشغلوا بأمر المأساة التي وقعت على الطريق الجنوبية.
وسرعان ما انتشرت الشائعات. ولأن عدد سكان القرية محدود للغاية، عرف جميع القاطنين بالقرب من الطريقين أن شيئاً خطيراً قد حدث. وبدأ الكبار يشعرون بالخوف من حدوث الأسوأ؛ متوقعين الانكشاف التدريجي لأبعاد المأساة، وفضلوا عدم طرح أية أسئلة حتى لا يزيدوا الوضع سوءاً.
وكان هناك رجل أعمى يعيش عند الطريق الجنوبية ويجهل ما يحدث، ولذلك سأل: ما سبب كل هذا الحزن في مكان كان سعيداً دائماً.
فأجابه أحد السكان: هناك شيء فظيع حدث بالطريق الشمالية. فالأطفال يبكون، والرجال متجهمون، والأمهات ينادين أطفالهن ليعودون إلى البيوت، والزائر الوحيد لهذه المدينة منذ سنوات عديدة، غادر وعيناه ممتلئتان بالدموع. ربما ضرب الطاعون الطريق الأخرى.
ولم يمر وقت طويل حتى انتشرت شائعة وجود مرض قاتل – لم يكن معروفاً من قبل – في القرية كلها. ولأن البكاء بدأ مع مجيء مسافر إلى الطريق الجنوبية، أصبح واضحاً بالنسبة لسكان الطريق الشمالي أن الطاعون لابد ظهر هناك. وقبل مجيء الليل، ترك السكان منازلهم إلى الجبال في الشرق.
واليوم – بعد قرون – ما زالت  القرية التي مر بها المسافر وهو يقشر  البصل، ما زالت مهجورة.
وغير بعيد عنها، ظهرت قريتان أخريان تدعوان" الطريق الشرقية" و" الطريق الغربية". وما زال السكان؛ من ذرية سكان القرية الأوائل؛ لا يتحدثون إلى بعضهم البعض لأن الزمن والخرافة وضعا حاجزاً من الخوف بينهم.. فلقد استقر بداخلهم أنه إذا ما حاولوا إعادة الصلات، سيواجه مجتمعهم خطراً هائلاً.
 ويعلق الشيخ" قالندار شاه": لا يعتمد كل شيء في العالم على الأشياء ذاتها، بل على علاقتنا بها.
وعندما ننظر إلى عالم اليوم، نستطيع إدراك كم ما زالت كاشفة. ففي نهاية تسعينيات القرن الماضي، لابد أن مسافرنا قد انفجر بالضحك بينما كان يمر بإحدى الطرقات الكبرى للقرية الكونية. فبينما اختفى الاقتصاد القديم، برزت الأسواق المالية، سقطت الجدران، انخفضت معدلات الفائدة، وتراجعت القيم الإنسانية إلى ما كانت عليه بنهاية القرن التاسع عشر، ووصلت الحكومات المحافظة إلى السلطة. وبدا كل شيء في حالة من التناغم المثالي. وكل ما كان مفتقداً، شيء تحتاجه كل حضارة لكي تستمر.. عدو.
وكان من الصعب جداً التورط في حروب جديدة، وهكذا لم يكن ممكناً اعتبار الإبادة في ( رواندا ) أو الحرب الأهلية في يوغوسلافيا.. ذلك العدو.
وهكذا، وبنهاية القرن الماضي، كان الشرير الأعظم هو السيجارة. نعم، صدق أو لا تصدق، منذ وقت قريب كان التهديد الأعظم للعالم الحديث، تلك اللفافة الورقية الصغيرة المحشوة بالأوراق الجافة، بطرف مشتعل، وآخر غير مشتعل.
وقبيل الهجمات الإرهابية كان هناك مسافر آخر يطوف بالقرية الكونية وهو يأكل البصل. وعادت الحرب العادلة إلى أوروبا ومعها ما ألحقته من دمار هائل، وكان ذلك في" بلجراد".
وبدأت أسواق المال تنهار، واتجه المحللون؛ الذين سبق ونصحونا بشراء الأسهم؛ إلى توقع انهيار لا يمكن تجنبه. وبدأ الناس يشعرون بالقلق على استثماراتهم وتقاعدهم وما القرارات التي يجب عليهم اتخاذها.
أما الخطر الحقيقي فظهر في صباح الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001، وبدت الإنسانية على شفا انهيار عصبـــــي، ففي تلك اللحظــــة حدث شقــــاق كبير بين سكـــان" الطريق الشمالية"– ويعرفون كذلك بالمسيحية اليهودية – وبين سكان" الطريق الجنوبية" – ويعرفون كذلك بالإسلام.
ورفضت ذلك الصحف كلها، وكذلك خرجت البرامج التليفزيونية لتقول:"لا شيء تغير"، وتقابل رجال الدين من كلا الطرفين في مؤتمرات دولية وعاملوا بعضهم البعض بتسامح واحترام أما في الحياة الواقعية، فإذا كان جارنا مسيحياً أو يهودياً (في الطريق الجنوبية) أو كان الجار يذهب إلى المسجد ويطلب من زوجته ارتداء الحجاب (في الطريق الشمالية)، فمن الأفضـل نتابعه بحرص لأن شيئاً فظيعاً قد يحدث بأية لحظة.
فهل من الممكن إعادة توحيد هاتين القريتين قبل اندلاع الهستيريا وتوابعها الأشد خطورة. وهذا ما أظنه. يجب أن ننحي جانباً التحليل السياسي، الخطط الاقتصادية والدراسات الاجتماعية، لنبحث عن إجابة لسؤال رئيسي: من أكون؟ ولماذا أتصرف هكذا؟
وليس من طريقة للقيام بذلك أفضل من النظر إلى حياتنا كما لو كانت سباق دراجات.
وعندما كنا صغاراً، وعند بداية السباق كنا ننطلق سوياً متقاسمين الصداقة والحماس. ولكن مع تقدم السباق، تتراجع السعادة المبدئية أمام التحديات الواقعية – الإرهاق – الضجر – والتشكك في قدراتنا الشخصية.
ونلاحظ أن قليلاً من أصدقائنا قد استسلموا داخلياً، لكنهم ما زالوا يقودون دراجاتهم فقط لأنهم لا يستطيعون التوقف بمنتصف الطريق. وكثيرون يبدلون إلى جوار السيارات الداعمة، مشغولين بمنولوجهم الداخلي للوفاء بالتزاماتهم، لكنهم غافلون عن مظاهر الجمال والتنافس على الطريق.
وتدريجياً نخلفهم وراءنا، وبعد ذلك نجد أنفسهم في مواجهة الوحدة وذلك عند المنعطفات غير المألوفة في الطريق والمشكلات الميكانيكية في دراجاتنا.
ونمر بغابات مظلمة حيث من الممكن أن يحدث أي شيء، لأنها مسكونة بأشباح مخيلتنا.
وعند مرحلة محددة، وبعد مرات معدودة من السقوط دون شخص قريب يمد يد المعاونة، نبدأ التساؤل عما إذا كان يستحق فعلاً كل ذلك الجهد.
بلى – يستحق. فذلك سؤال يهدف إلى إثارة الحماس وعدم الاستسلام.
ويقول الأب" آلان جونز": للتغلب على المعوقات، وللمشاركة في تحسين الوضع العالمي، نحتاج قوانا الخفية: الحب – الموت – السلطة – والزمن.
يجب أن نحب، لأننا محبوبون، رغم أن شعورنا بالوحدة يجعلنا نعتقد في نقيض ذلك. ويجب أن ننتبه للموت حتى ندرك قيمة الحياة.
يجب أن نناضل لننمو، ولكن دون أن نترك أنفسنا لخداع السلطة التي نكتسبها خلال النضال، وذلك لأن تلك السلطة لا قيمة لها.
وفي النهاية، يجب أن نقبل بأن حياتنا،اعتقدنا أو لم نعتقد في الفردوس القادم، في اللحظة الحالية واقعة في أسر الزمن بكل خياراته وحدوده.
ولذلك، ففي سباق الدراجات الفردي، يجب أن نتصرف كما لو كان الزمن موجوداً، ونبذل ما بوسعنا لإضفاء القيمة على كل ثانية، ويكون لنا حق الراحة عندما يكون ذلك ضرورياً ولكن مع الاستمرار في الاتجاه الذي اخترناه.
وليس من الممكن التعامل مع هذه القوى الأربعة كما لو كانت مشكلات يجب حلها، لأنها تتجاوز قدرتنا. يجب أن نقبلها وندعها تعلمها ما نحتاج تعلمه.
نحن نعيش في كون ضخم بما يكفي لإرهابنا، وصغير بما يكفي لنصدق أن كل شيء تحت سيطرتنا.
فبينما يقوم بالتبديل تجاه هدفنا، يجب أن نسأل أنفسنا" ما المختلف اليوم؟" ربما تكون الشمس مشرقة، لكن إذا حدث وأمطرت، تذكر دائماً أن ذلك كله يعني أن السحب القاتمة ستتلاشى عما قريب. تتلاشى السحب، وتظل الشمس على حالها.. لا تختفي أبداً.
وفي لحظات الوحدة، من المهم تذكر ذلك. وخلال تلك اللحظات، لنتذكر وجود تلك القرية، وعندما يصبح المسير صعباً للغاية، يجب أن نحرص على عدم نسيان أن – بعيداً عن السباق، اللون، الوضع الاجتماعي، المعتقدات أو الثقافة – الناس الموجودين هناك مروا بذات التجربة.
ولقد كتب" ذو النون المصري" ( 796 – 861 م ) دعاء رائعاً يلخص ببراعة التوجه الذي يحتاجه المرء في مثل تلك الأوقات: [ يا إلهي، عندما أُنصِت لأصوات الحيوانات، ولحفيف الأشجار، وخرير الماء وغناء الطيور، وهدير الريح وهزيم الرعد، أرى فيها دليلاً على وحدانيتك، أشعر أنك قهار، عليم، حكيم وعادل. يا إلهي، أُدرك وجودك في الصعاب التي أمر بها الآن. إلهي ليكن رضائي من رضائك، واجعلني مصدر بهجتك، تلك البهجة التي يستشعرها الأب وجود طفله. ولتجعلني أذكرك في سكينة وعزم، حتى لو كان من العسير علي أن أصرح أنني أحبك].
ومثلما نعود إلى الحقائق البسيطة الموجودة داخلنا، فإننا ننأى بأنفسنا عن الهستريا الجمعية لنستطيع المشاركة بواقعية في العالم المحيط بنا.
وفي مرحلة محددة، تعترض المأساة سبيل كل إنسان: قد تكون تدمير مدينة، موت طفل، اتهاماً بغير دليل، مرضاً ينتشر دون تحذير جالباً معه عجز دائم.
وأحياناً نرث المآسي الخاصة بأجيال سابقة، كما هو الحال مع الطريق الجنوبية والطريق الشمالية.
وبعد فترة نحصل على الحب، الموت، السلطة، والزمن، وجميعها ستعاوننا للحفاظ على سكينتنا عندما يمر ثانية بالطريق التي تمر بقريتنا، سواء كان يبكي أو يضحك.
وإذا ما واجهتنا مشكلة حقيقية، لن تستطيع الصحف أن تقنعنا بالعكس. ولو تعلق الأمر بمجرد حالة أخرى لشخص ما يقشر البصل، لن يكون بوسع مخلصي أرض الأسلاف  والحضارة أن يتملصوا ويرتكبوا جرائم باسمنا.
ومن المفيد دائماً أن نتذكر كيف تعلمنا قيادة دراجة. لم يتم ذلك بواسطة ميكانيكا القوى والكتلة الحرجة والسرعة المثالية. ليس بالجلوس أمام مدرس يشرح لنا كيف يمكن لهذه المركبة ذات العجلتين أن تستمر في التحرك.
ولم يحدث ذلك لأن شخصاً ما أخبرنا أن دراجتنا أفضل وأكثر أمناً من دراجة شخص آخر، وهكذا نستطيع القيادة بثقة.
لم يحدث ذلك لأننا أنصتنا لرأي هذا أو ذاك، أو لأننا رأينا تغطية تليفزيونية ممتدة لمسابقة" تور – دي – فرانس" أو للألعاب الأولمبية.
حدث ذلك لأننا جرؤنا على القيام بأول تبديلة. حاولنا وسقطنا وحاولنا، حتى جاء يوم، يكاد يكون إعجازياً، تمكنا فيه من حفظ إتزاننا.
ولن ننسى، حتى بعد مرور عشر سنوات أو عشرين سنة دون أن نركب دراجة.
هل ذلك قابل للتفسير؟
لا – ليس قابلاً للتفسير. لكننا نعرف كيف نقود دراجة، وهذا شيء مهم، لأننا حينئذ نستطيع زيارة قرية أخرى.. ابتداع طريق.. التخلص من خوفنا واكتشاف كم من الأشياء نشترك فيها ( بما في ذلك الدراجات).
..............................

·        ترجمتها من البرتغالية ( مارجريت جول كوستا).
·        القصة متاحة على موقع" باولو كويليو" بالإنترنت.


السبت، 21 ديسمبر 2013

إليزابيث كوستيللو، ج.م. كويتزى، قصة







إليزابيث كوستيللو
 ثمانية دروس

                                                                                                                ج.م. كويتزى
ت: ياسر شعبان

 " إليزابيث كوستيللو ".. كاتبة ولدت عام 1928، مما يعنى أنها أتمت عامها السادس والستين وعلى مشارف العام السابع والستين. كتبت تسع روايات ومجموعتين شعريتين وكتاب عن حياة الطيور وآخر عن قواعد العمل الصحفي. أسترالية المولد، فهي مولودة فى "ملبورن" ولا زالت تعيش هناك، باستثناء الفترة من (1951 إلى 1963) والتى قضتها فى إنجلترا وفرنسا. تزوجت مرتين ولديها طفلان، واحد من كل زوج.
ولقد حققت "إليزابيث كوستيللو" شهرتها عند صدور روايتها الرابعة (منزل فى شارع إكلز) عام 1969، وكانت شخصيتها الرئيسية تُدعى "ماريون بلوم"، وهى زوجة لـ"ليبولد بلوم" وهو بدوره شخصية برواية أخرى؛ رواية (عوليس) لـ"جيمس جويس"، عام 1922. وخلال العقد الماضى نشأت حولها صناعة نقدية صغيرة، وتكوّن ما يُعرَف بـ"مجتمع إليزابيث كوستيللو" فى "البكريك" بـ"نيو مكسيكو" والتى تصدر نشرة فصلية باسمها.
وفى ربيع عام ( 1995) سافرت "إليزابيث كوستيللو"ـ أو تسافر، سأستخدم المضارع من الأن فصاعداًـ إلى "وليامزتاون" في بنسلفانيا حيث توجهت إلى كلية "ألتونا" لاستلام جائزة "ستوي" وهى جائزة تمنح كل عامين لأحد الكتاب العالميين الكبار والذى يتم اختياره بواسطة لجنة من النقاد والكتاب.
وتبلغ قيمتها المالية "خمسين ألف دولار" حسبما جاء فى وصية "ستوي"، وذلك بالإضافة إلى ميدالية ذهبية. وتعتبر هذه الجائزة من أكبر الجوائز فى الولايات المتحدة.
وخلال زيارتها لـ "بنسلفانيا" كان برفقة " إليزابيث كوستيللو"ـ " كوستيللو" لقبها قبل أن تتزوج ـ أخوها " جون" ويعمل مدرساً للفيزياء والفلك فى كلية "ماسا شوتس"، لكنه تركها لمدة عام واحد لأسباب تخصه وحده.
وكانت "إليزابيث" قد أصبحت هشة بعض الشيء، وهكذا لم تكن لتبدأ هذه الرحلة الشاقة عبر نصف العالم دون مساعدة ابنها.
... لقد قفزنا على الحكاية...
كانا قد وصلا إلى "وليامز تاون" ونقلا إلى الفندق حيث سيقيمان. وللدهشة كان بناية ضخمة بالنسبة لهذه المدينة الصغيرة، كان بناية مرتفعة ـ سداسية الأوجه ومغطاة من الخارج برخام داكن اللون ومن الداخل كان مغطى بالكريستال والمرايا.
وفى حجرتها يدور هذا الحوار: يسأل أبنها: ها ستكونين مرتاحة؟
تجيب: بالتأكيد، فالحجرة بالطابق الثانى عشر وتطل على ملعب للجولف ومن ورائه تلال خضراء.
يقول الابن وهو على وشك مغادرة الحجرة: إذن لماذا لا تستلقين قليلاً؟ سيأتون إلينا فى السادسة والنصف، وسأتصل بك قبل دقائق من موعدهم.
تقول: جون ماذا يريدون منى تحديداً؟
" الليلةـ لا شئ، مجرد عشاء بصحبة لجنة التحكيم. ولن نترك السهرة لتمتد بعد ذلك. سأذكرهم بأنك مجهدة ".
تقول: وغداً؟
" غداً الأمر مختلف. يجب أن تكونى مستعدة، أنا خائف".
تقول: نسيت لماذا وافقت على المجئ. فالأمر يبدو مثل محنة عظيمة تورطت فيها دون سبب يستحق.
كان الأفضل أن أطلب منهم التغاضى عن مسألة الاحتفال، وأرد لهم الشيك بالبريد.
.. وبعد هذه الرحلة الطويلة، بدأت تهتم بأمر عمرها.
أبداً لم تكن تهتم لمظهرها، فلقد اعتادت أن تتجاهله، أما الآن فيجب الاهتمام به.
إنها عجوز ومتعبة.
يقول الابن: "أنا خائف يا أمى، لن تكون الأمور على ما يرام هكذا. بقبولك النقود يجب أن تكونى جزءاً ن العرض."
تهز رأسها، ومازالت ترتدى معطف المطر القديم ذا اللون الأزرق والذى ارتدته عند خروجها من المطار ولشعرها مظهر زيتى وخالٍ من الحيوية. ولم تكن قد شرعت فى إفراغ الحقائب. فماذا ستفعل لو تركها الآن؟ أتستلقى وهى مازالت ترتدى معطف المطر والحذاء.
إنه هنا، معها، بدافع الحب. ولا يستطيع أن يتخيل مرورها بهذه المحنة دون أن يكون إلى جوارها إنه يساندها لأنه ابنها، ابنها المُحِب.
لكنه على وشك أن يصبح ـ يالها من كلمة مقززة ـ مُدربها؛ يراها مثل فقمة، فقمة عجوز ومتعبة فى السيرك.
ومن جديد مطلوب منها أن تقفز فى مياه حوض السباحة، ومرّة أخرى مطلوب منها إظهار مقدرتها على حِفظ إتزان الكُرة فوق أنفها، وعليه أن يلاطفها، يحنو عليها ويدخلها فى العرض.
يقول بألطف ما يستطيع: "إنهم معجبون بك، ويريدون تكريمك، وهذه أفضل طريقة ارتأونها للقيام بذلك... تقديم المال لك وإذاعة اسمك بوسائل الإعلام. وهكذا يستخدمون شيئاً لتحقيق آخر. "
.. وهى واقفة أمام منضدة كتابة تعود للعصر الإمبراطورى، تُقَلّب فى الكتيبات التى ترشدها لكيفية التسوق وأين تتناول طعامها وكيف تستخدم التليفون، إذا بها ترمقه بواحدة من نظراتها الساخرة والخاطفة والتى ماتزال قادرة مُباغتته، وذلك لتذكره مَن تكون، ترمقه وهى تغمغم " أفضل طريقة....؟ ".
في تمام السادسة يُطْرَق الباب. وهى متأهبة فى انتظاره والشكوك تملأها، لكنها استعدت لمواجهة الخصم.
إنها ترتدي ردائها الأزرق وجاكت من الحرير، وهو ماتعتبره الزى الرسمى للمرأة الروائية، بالإضافة إلى حذاء أبيض لا يعيبه شئ سوى أنه بطريقة ما يجعلها تبدو مثل البطة " ديزى ".
وكانت قد غسلت شعرها ومشطته إلى الخلف. ولا يزال يبدو زيتياً لكنه مُتشامخ، مثل شعر مَنْ يتحملون فى سلاح البحرية أو يعملون ميكانيكية ولوجهها تلك الملامح السلبية، والتى عند رؤيتها على وجه فتاة شابة ستختار الانسحاب من أمامها.وجه بلا شخصية، ذلك النوع الذى يتطلب من المصورين الكثير من العمل لمنحه هوية.
" مثل كيتس.. المدافع العظيم عن الإحساس المتعادل ".. هكذا يُفَكر الابن. ولأبعد ما يستطيع أن يتذكر كيف أن أمه كانت تعزل نفسها خلال فترة الصباح للكتابة. ولا يُسمح بالتطفل أو المقاطعة تحت أى ظرف.
واعتاد أن يفكر فى نفسه كطفل سئ الحظ، فهو وحيد وغير محبوب.
وعندما كان وأخته يشعران بالحزن لحالهما، كانا يمشيان جيئة وذهاباً خارج الفباب المغلق ؛ مُحدثين تلك الأصوات الخافته، وفى الوقت المناسب رتتحول إلى همهمة أو غناء، وهكذا كانا يشعران بتحَسُن وقد تناسيا أمر عُزلتهما.

والآن تغير المشهد، لقد كبر، لم يعد خارج الباب بل داخله، يتابعها وهى جالسة بظهرها إلى النافذة فى مواجهة الصفحة البيضاء، وهكذا يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام، بينما شعرها يتحول تدريجياً من الأسود إلى الرمادى.
يالها من عنيدة.. إنها تستحق الميدالية بلا شك.
هذه الميدالية وغيرها الكثير، لشجاعتها ومثابرتها بما يفوق نداء الواجب.
... حدثَ التغير عندما بلغ الثالثة والثلاثين. وقبل بلوغه ذلك العمر لم يكن قد قرأ كلمة واحدة مما كتبت. وكان ذلك بمثابة رده عليها وانتقامه منها لاحتجازه خارج الباب المغلق.
... نبذته ولذلك نبذها.
وربما يكون قد رفض أن يقرأ ما تكتبه ليحمى نفسه. وقد يكون هذا هو الدافع الأعمق. حماية نفسه مِن البرق.
وذات يوم، ودون كلمة مِن أحد، ودون حتى أن يهمس لنفسه بكلمة، أخرج أحد كتبها مِن المكتبة. وبعدها قرأ كل شئ، قرأ طوال الوقت.. فى القطار وهو جالس إلى منضدة الغداء.
... " ماذا تـقرأ؟ "
... أحد كتب أمي.
إنه فى كتبها، أو بعض منها. كذلك تعرف على آخرين، وبالتأكيد هناك المزيد لم يتعرف عليهم.
... تكتب عن الجنس ـ العاطفة ـ الغيرة والحسد.
تكتب ببصيرة تهزه، كتابة غير محتشمة تماماً....
إنها تهزه، وهذا ما تفعله تأكيداً بالقُرّاء الآخرين كذلك. وتأكيداً ذلك سبب وجودها فى الصورة الكبرى.
يا لها من مُكافأة غريبة مقابل حياة كاملة مِن هَز الناس: أن تُنْقَل إلى " بنسلفانيا " وتمنح بعض المال.. ! لأنها لم تكن بأى حال من الأحوال كاتبة مُريحة.
كذلك هى قاسية لدرجة تجعل ميل النساء لها أكثر من الرجال.
أى كائن هى فى الحقيقة؟
أنها ليست فقمة، ليست ودودة بما يكفى لتكون كذلك، لكنها ليست سمكة قرش. ربما قِطة. واحدة من تلك القطط الضخمة التى تتوقف وهى تنزع أحشاء ضحيتها، وعبر البطن المفتوح ترمقك بنظرة صفراء باردة.
كانت هناك امرأة تنتظرهما بالأسفل، نفس المرأة التى رافقتهما من المطار.
اسمها "تريزا ".. إنها مُدرسة فى كلية ألتونا"، وبالنسبة لجائزة "ستوي" فلقد كانت بمثابة الجوكر الذى يقوم بوظائف شتى، أما بالنسبة للمهام الكبرى فهى مجرد شخص ضئيل الأهمية بمُقدمة السيارة يجلس إلى جوار "تريزا" بينما أمه تجلس فى المفعد الخلفى.
كانت " تريزا " مُثارة للغاية لدرجة أنها ثرثرت كثيراً، لتخبرهم عن الجيران الذين يمرون عليهم خلال الطريق، وعن كلية " ألتونا " وتاريخها وعن المطعم المتوجهون إليه.
ووسط كل هذه الثرثرة تُردد جملتين سريعتين لها:
( الخريف الماضى استقبلتنا  "أ.س. بيات"، ما رأيك "سيدة كوستيللو" فى "أ.س. بيات "؟)
وبعدها: ( ما رأيك "سيدة كوستيللو" فى "دوريس ليسنج"؟ إنها تؤلف كتاباً عن النساء العاملات بالكتابة والسياسة، لقد قضت أصيافها فى لندن لتكتب ما تطلق عليه "بحثاً").
وما كان ليندهش إذا اكتشف وجود جهاز تسجيل مُخبأ فى السيارة.
يصلون إلى المطعم، والمطر يَسّاقط خفيفاً.
تنزلهما "تريزا" أمام الباب، وتذهب لتركن السيارة.
وللحظة يجدا نفسيهما وحيدين على الرصيف.
يقول "ما زال بمقدورنا أن نَفِر، لم يفت الوقت بعد. نستطيع أن نركب سيارة تاكسى لتقلنا إلى الفندق حتى نجمع أغراضنا ونصل إلى المطار فى الثامنة والنصف لنلحق بأول رحلة طيران. وهكذا نختفى من المشهد فى نفس وقت وصول المدعوين."
... يبتسم وتبتسم. سيشاركان فى البرنامج الذى بالكاد يُمكن الحديث عنه.
لكن من المبهج أن يلهو المرء على الأقل بفكرة الهروب.  فالنكات ـ الأسرار ـ التعقيدات، نظرة هنا وكلمة هناك.. هى وسيلتهم للبقاء معاً أو للتباعد. وسيكون مرافقاً لها، وستكون فارسه. وسيعمل على حمايتها قدر استطاعته.
بعد ذلك سيساعدها لترتدى درعها، ويتركها فوق صهوة جوادها، ويضبط وضع الترس فى يدها، يسلمها رمحها ثم يتراجع.
وتَمّ تسليم الجائزة، وبعدها تُرِكت أمه وحدها على منبر الخطابة لتُلقى كلمتها والتى عنوانها ـ حسبما جاء فى البرنامج ـ ( ما الواقعية؟ ). لقد حان الوقت لكى تظهر إمكاناتها.
ترتدي "إليزابيث كوستيللو" نظارتها، وتستهل بـ"أيها السيدات والسادة" قبل أن تبدأ بالقراءة: ( نشرت كتابي الأول عام 1955، عندما كُنْتُ أعيش فى لندن والتى كانت العاصمة الثقافية لِكُل المخالفين. وأذكر بوضوح يوم وصول الطرد بالبريد وكان يحتوي نسخة خاصة للمؤلف. وسَرَت بجسدي رعدة عندما أمسكت الكتاب بين يدي، مطبوعاً ومُغلقاً... شيء حقيقي ولا يمكن إنكاره.
لكن كان هناك شيء يُلِحُ عليّ. وهاتفت الناشرين وسألتهم: "هل أُرْسِلت نُسخ الإيداع؟ ".
ولم أسترح حتى أكدوا لى أن نسخ الإيداع سيتم إرسالها بالبريد مساء هذا اليوم؛ إلى "سكوتلاندا ـ بودليان" وغيرهما، لكن الأهم هي النسخ التي سترسل للمتحف البريطاني.
كان ذلك أقصى طموح لديّ، أن يكون لكتبي موضع فوق رفوف المتحف البريطاني، كتفاً بكتف إلى جوار كِبار الكُتاب مثل " كارلايل ـ تشوسر ـ كولريدج ـ وكونراد ". )  
                      ............


*ج.م. كويتزى :
ـ كاتب من جنوب أفريقيا.
ـ حصل مرتين على جائزة بوكر البريطانية عن روايتيه: (عصر الحديد) و(العار).
ـ حصل عام ( 2003 ) على جائزة نوبل في الآداب.
ـ من أشهر أعماله: (عصر الحديد)، (العار)، (في قلب الريف)، (الخصم)، (المواطن مايكل ك) .......